حلق اللحية والأخذ منها


السؤال:
ما حكم حلق اللحية وهل ورد عن السلف الأخذ منها ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

قبل الكلام عن حلق اللحية والأخذ منها لابد أن نعرّف اللحية أولاً ونذكر ضابطها عن فقهاء الشريعة، فإن العلماء رحمهم الله تعالى قد اختلفوا في حدِّ اللحية :

فقال الجمهور من العلماء: اللحية هي الشعر النابت على اللحيين والذقن .

وقال الشافعية : اللحية هي ما نبت على الذقن خاصة.

قال الشربيني الشافعي رحمه الله تعالى:”( واللحية ) من الرجل وهي -بكسر اللام وحكي فتحها-: الشعر النابت على الذقن خاصة وهي مجمع اللحيين” [مغني المحتاج 1/51]

وقبل أن أذكر الخلاف في حكمها أحب أن أبين أنه قد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان كثَّ اللحية كما ورد في الأحاديث، لكن لا يعني ذلك أنه طويل اللحية كما قد يفهمه بعض الناس بل المراد: كثافة أصولها .

قال المناوي رحمه الله تعالى: “(كث اللحية) وفي رواية للحارث عن أم معبد (كثيف اللحية) بفتح الكاف غير دقيقها ولا طويلها، وفيها كثافة كذا في “النهاية”..(كان كثير شعر اللحية) أي غزيرها مستديرها، زاد في رواية (قد ملأت ما بين كتفيه) قال القرطبي: ولا يفهم منه أنه كان طويلها-أي: اللحية- ؛ لما صح أنه كان كث اللحية أي كثير شعرها غير طويله.أ.هـ[فيض القدير للمناوي 5/98]

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :”قوله كث اللحية أي فيها كثافة واستدارة وليست طويلة”[فتح الباري 1/178]

وورد أمره صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث بصيغة :”أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وارجوا، ووفروا”

ومعناها كلها تركها على حالها لا وجوباً بل مخالفةً للمشركين والمجوس الذين كانت عادتهم حينها حفَّها وحلقَها .. فلما انتفت تلك العلة وهي المشابهة فإن الأمر حينها متعلق بالعُرف من حيث تحصيل الندب، إلا أنه من المتفق عليه اجتناب الشهرة بها ،

كما ينبغي تحسينها إذا حصل منها تشويه لصاحبها في عرف الناس قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:” قال القاضي عياض رحمه الله تعالى يكره حلقها وقصها وتحريقها، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزها.

قال: وقد اختلف السلف هل لذلك حد فمنهم من لم يحدد شيئاً في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها وكره مالك طولها جداً، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة..”[شرح مسلم للنووي بتصرف 3/151]

و تأمل ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى في شرح البخاري :”قال الطبري: إن قال قائل : ما وجه قوله عليه السلام : ( أعفوا اللحى ) وقد علمت أن الإعفاء: الإكثار ، وأن من الناس من إن ترك شعر لحيته اتباعاً منه لظاهر هذا الخبر تفاحش طولاً وعرضًا ، وسمج حتى صار للناس حديثًا ومثلا ؟
قيل : قد ثبت الحجة عن النبى عليه السلام على خصوص هذا الخبر، وأن من اللحية ما هو محظور إعفاؤه وواجب قصة على اختلاف من السلف فى قدر ذلك وحدِّه ، فقال بعضهم : حد ذلك أن يزداد على قدر القبضة طولاً ، وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك ، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى جزّ ما زاد على ذلك ، من غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك .
✒ وروى عن عمر أنه رأى رجلاً قد ترك لحيته حتى كثرت فأخذ بحديها ثم قال : ائتونى بجلمين ثم أمر رجلاً فجزَّ ما تحت يده ثم قال : اذهب فأصلح شعرك أو أفسده ، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع، وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل ، وعن ابن عمر مثله . وقال آخرون : يأخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش أخذه ، ولم يحدوا فى ذلك حدًا غير أن معنى ذلك عندى – والله أعلم – مالم يخرج من عرف الناس .
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/146]
فقد أرجع الأمر للعرف والعادة الجارية في عرف الناس .

وههنا مسألتان أختم بهما دون تفصيل:

الأولى: حكم حلق اللحية :

أما حلق اللحية بما يسمى بالموس ففيه خلاف على التفصيل في حد اللحية الماضي .

فإن حلقها جميعاً- ما نبت على اللحين والذقن- فالجمهور أن ذلك محرم، والشافعية قالوا: بالكراهة.

وإن حلق ما علي اللحيين فقط دون الذقن فقد أتى بالسنة عند الشافعية لأن اللحية عندهم ما نبت على الذقن خاصة كما سبق.

وذلك لحديث أمنا المحبوبة عائشة – رضي الله عنها – : قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «عَشرٌ من الفطرة : قَصُّ الشارب، وإِعفاء اللحية ، والسواكُ ، واستنشاق الماء ، وقَصُّ الأظفار ، وغسل البَرَاجِمِ ، ونتف الإِبْط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء».قال مصعب بن شيبة : «ونسيت العاشرة ، إِلا أن تكون : المضمضة»[مسلم برقم: 627]
حيث قرنها صلى الله عليه وسلم بما غالبه في الحديث من السنن والقليل مذكور في الواجبات على خلاف بين العلماء فيه كالختان في بعض الروايات.

والأخرى: حكم الأخذ منها:
سواء كان ذلك بالمقص أو بمكينة الحلاقة -وتأخذ حكم القص -:

فإنه جائز باتفاق والحكم فيه من حيث استحباب ذلك أو كراهته راجع لاعتبارات مضى بعضها في كلام العلامة ابن بطال رحمه الله السابق .
والأمر عائد في كل ذلك للعرف والعلم عند الله تعالى .

تنبيه

لكن لا ينبغي الإنكار على المخالف في مثل هذه المسألة الفرعية وبناء حكم التفسيق و منع الإمامة ونحوها من أحكام فإن الإنكار إنما يكون في المحرمات المتفق عليها ولذا قال العلامة السيوطي رحمه الله :

“القاعدة الخامسة والثلاثون: لا يُنكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع على تحريمه”[الأشباه والنظائر 158].

والله تعالى أعلم.


1 التعليقات

    1. 1
      غسان تونسي

      عذرا شيخنا
      الا يوجد في وصف لحية النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكرتم بان اللحية ليست مانبت على الذقن وذلك في قولهم عند وصف اللحية الشريفة قولهم كان كث اللحية وفي رواية قد ملأت مابين كتفيه ..!وكذلك في حكم الاخذ منها من طولها وعرضها .. الا بقصد بها اللحيين
      ارجو افادتي ودمتم بخير

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *