التأويل بين الإفراط والتفريط


تعريف التأويل :
أصل التأويل في اللغة : المرجع والمصير، يقال: آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه .
ويأتي التفسير بمعنى التأويل قال الله تعالى:” سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبراً” أي بتفسيره
وقال العلامة القرطبي رحمه الله :”والتأويل يكون بمعنى التفسير كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه أي صار، وأولته تأويلاً : أي صيرته ،وقد حده بعض الأصوليين فقالوا: “هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له” [الإحكام للآمدي 2/52]
شروط التأويل:
وللتأويل شروط ثلاثة:
الأول: أن يكون اللفظ محتملاً للمعنى الذي يُؤول إليه.
الثاني : أن يكون ثمةَ موجب للتأويل بأن يكون ظاهر النص مخالفاً لقاعدة مقررة معلومةٍ من الدين بالضرورة أي مخالفاً لنص أقوى منه .
الثالث: أن لا يكون التأويل من غير مستند شرعي .
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى:” فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ” قال شيخنا أبو العباس -رحمه الله تعالى- متبعو المتشابه لا يخلوا أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة
والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري تعالى جسمٌ مجسم وصورة مصورة ذات وجهٍ، وعين، ويد، وجنب، ورجل، وأصبع تعالى الله عن ذلك، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال فهذه أربعة أقسام:
الأول: لا شك في كفرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة
الثاني: الصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عبادة الأصنام والصور ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد
الثالث: اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها وقد عرف بأن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمروها كما جاءت وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل عنها
الرابع: الحكم فيه التأديب البليغ كما فعله عمر رضي الله عنه بصبيغ”[إيضاح الدليل لابن جماعة رحمه الله 62]
التأويل في الصفات :
التأويل في صفات الله تعالى واقع بين تفريط وإفراط من طائفتين من الناس ، فمن الناس من غلا في التأويل فتراه يؤول كل نص في كتاب الله تعالى وفي سنة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حتى وصل به الأمر إلى التعطيل ونفي من وجب للجليل تعالى من الصفات، ومنهم من منع التأويل بإطلاق ورآه من البدع المنكرة ورمى أهله بالضلال .
والمتأمل في نصوص الوحيين وفق أصول العلم على منهاج ما جاء عن السلف يرى أن التأويل مقبول بضوابطه المعلومة عند أهل العلم والنظر ويتبين له خطأ من اختط مسلك التأويل بإطلاق على نحو من مضى ذكرهم من أهل التعطيل ويتبين له أيضاً شطط من منع منه بإطلاق .
معتقد أهل الحق في الصفات:
من خلال ما سبق يتبين أن أهل الحق في التأويل وسط بين من غلا ومن جفا ، فهم يثبتون نصوص الصفات كما وردت مع تنزيهها عن صفات البرية ويكلون علمها إلى الله تعالى أو يسلكون بها مسلك التأويل فيما صح وفق أصول المحكم من العلم على منهاج السلف الأبرار رضي الله عنهم .
قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى كما في [الإتقان – باب المحكم والمتشابه 1/235] :” وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها اللغوية .. وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أنا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف..”
قال القرطبي رحمه الله تعالى في [ تفسيره 4/12 ]: “وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض للصفات مع قطعهم باستحالة ظواهرها ، فيقولون أمروها كما جاء وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعين مجمل منها” اهـ
ومن ذلك ما خرجه اللالكائي في “شرح أصول اعتقاد أهل السنة” (3/503) بسنده إلى الوليد بن مسلم أنه قال : سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا : “أمروها بلا كيف” .
وفيه أيضاً (3/431): “إلى سيدنا الأوزاعي رضي الله عنه قوله : “كان الزهري ومكحول يقولون :”أمرُّوا الأحاديث كما جاءت “.
وفيه أيضاً (3/432): إلى الإمام محمد بن الحسن رضي الله عنه قوله: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت به ثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء. اهـ.
وقال المحدث يحيى بن معين رحمه الله : شهدت زكريا ابن عدي سأل وكيعاً فقال : يا أبا سفيان هذه الأحاديث كأحاديث الكرسي ونحوها ؟ فقال وكيع : أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعر يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون بشيء. ا.هـ. [الأسماء والصفات للبيهقي 197]
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله : في أحاديث الضحك ونحوها: “هذه الأحاديث عندنا حق يرويها الثقات إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا : ما أدركنا أحداً يفسر منها شيئاً ونحن لا نفسر منها شيئاً نصدق بها ونسكت ”
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في [الفتح 13/432]:”فمن أجرى الكلام (في الصفات ) على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم”أ.هـ
أمثلة لتأويل السلف رضي الله عنهم:
تأويل النزول من الشارع الحكيم بنزول ملك ينادي كما في حديث : سيدنا أبي هريرة وسيدنا أبي سعيد رضي الله عنهما أنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً فيقول : “هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يُعطى” صححه عبد الحق ـ يعني الإشبيلي المتوفي
وبنحو حديث المناداة السابق خرج الطبراني في :[معجمه الكبير (9/51)] وفيه : تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي منادٍ هل من داع فيستجاب له … الحديث ، قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” (10/153) : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كذا قال .
أو تأويله بنزول الرحمة أو الأمر حيث جاء في سير أعلام النبلاء (8/105) للذهبي قوله : “قال ابن عدي حدثنا محمد بن هارون بن حسان قال حدثنا صالح بن أيوب قال حدثنا حبيب بن أبي حبيب قال حدثني مالك : قال ينـزل ربنا تبارك وتعالى أمره فأما هو فدائم لا يزول، قال صالح ـ يعني ابن أيوب ـ فذكرت ذلك ليحيى بن أيوب فقال :حسن والله ولم أسمعه من مالك ا.هـ.
تأويل الساق كما في قوله تعالى :” يوم يكشف عن ساق ” بالشدة والأمر المهول فقد جاء في تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله [29/38] :”قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل : يبدو عن أمر شديد “أ.هـ وصحح إسناده ابن حجر في الفتح [13/428]
تأويل اليد بالقوة في قوله تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد ) فقد أولها ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما بالقوة كما في تفسير ابن جرير [27/7] وفسرها بهذا المعنى أيضاً : مجاهد وقتادة ومنصور وابن زيد وسفيان “.
تأويل الإمام أحمد رحمه الله لقوله تعالى :”وجاء ربك ” فقال : إنما تأتي قدرته ” قال البيهقي عن هذا الأثر “صحيح لا غبار عليه” كما في مناقب الإمام أحمد للبيهقي كما نقله ابن كثير أيضاً في البداية والنهاية [10/327]
تأويل الإمام الثوري رحمه الله للمعية في قوله تعالى :”وهو معكم أين ما كنتم ” فقال :” علمه ” كما في سير النبلاء [7/274]
تأويل الإمام الترمذي رحمه الله في حديث :” ..لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ..” قال رحمه الله :” هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا :” إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه ..”أ.هـ جامع الترمذي بتحفة الأحوذي [9/187]
تأويل حديث :” من أتاني يمشي أتيته هرولة “…وحديث :”من تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً ” في الجامع للترمذي :” فسر بعض أهل العلم هذا الحديث قالوا : إنما معناه يقول : إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت تسارع إليه مغفرتي ورحمتي” أ.هـ كلام الترمذي . تحفة الأحوذي [10/64]
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً فلا ينبغي إهمال التأويل ولا الغلو فيه بل ينبغي مراعاة أصول العلم في ذلك على منهج من سلف من الصالحين .
والله تعالى الموفق


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *