اللامذهبية والفوضى الدينية



نشر هذا المقال في جريدة المدينة – ملحق الرسالة:الجمعة 20/01/2012 هنـــــا

لقد اختص اللهُ تعالى أمتَنَا من بينِ سائرِ الأممِ بالخيريَّةِ، وجعل أخصَّ خيريتَها في صدرِها الأول زمنَ التشريعِ ثمَّ ماتَلاه من قرونٍ فاضِلةٍ تشكِّلُ حِقبةً زمنيَّةً مباركةً جاءَ النَّصُّ الشريفُ بتشريفهم وبيانِ فضلهمِ ففي الحديثِ:”خيرُ النَّاسِ قرني ثمَّ الذين يلونَهم ثمَّ الذينَ يلُونهم…”الحديث
وقد كانَ النَّاسُ يستقُون التشريعَ من ينابيعهِ الصَّافيةِ من علماءَ أتقياءَ أمناءَ بلَّغهم اللهُ تعالى رتبةَ التحقُّقِ والتحقيقِ؛ فكانوا أدلَّاءَ على اللهِ تعالى بأقوالِهم وأحوالِهم، فكان منهم مُجتهدونَ أكابرَ كالخلفاءِ الأربعةِ، وابنِ عباسٍ والحسنِ البصريِّ وسفيانَ وأئمةِ المذاهبِ الأربعَةِ وغيرهم رضي اللهُ تعالى عن الجَميعِ.
وكانَ “اختلافُهم رحمةً واسعةً، واتفاقُهم حجةً قاطعةً”، حتى جاءَ الخُلُوف من بعدِهم فخالفُوا طريقتَهم وحرَّمُوا التقليدَ على العَامَّةِ، ونقضُوا قوانينَ الإجماعِ بحججٍ في غيرِ موضِعِها، وطالبُوا بسؤالِ أهلِ العلمِ لقوله تعالى:”فاسأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ..” فهل التقليدُ إلا ما ذَكَرُوا !!
إنَّه:”أخذُ قولِ المجتهدِ بغيرِ حجَّةٍ لمن لا يملكُ الأهليَّةَ لفهمِ الحججِ” ثم بعد ذلك يُنادِي بالرجوعِ للسَّلفِ، والصُدورِ عن رأيهم، وهو الدَّاعِي إلى نقضِ غَزلِهِ!
إنَّ التاريخَ شاهدٌ على تبعيَّةِ العلماءِ وتقليدِهم، والتمذهبُ بمذاهبِهم، ولم يكن السَّلفُ يمنعُون منه كما هي دَعوى المُدَّعين! بل حثُّوا عليهِ وقصَرُوا الاجتهادَ على أهلِهِ الذينَ ضَنَّ بهم الزمانُ الآن -والله وحده المستعان-.
فهذا الإمامُ المبجَّلُ أحمدُ بنُ حنبل رضي اللهُ تعالى عنهُ يقولُ لتلميذِهِ أبي الحسن المَيمونِي:”يا بُنيَّ! إياكَ أن تقولَ في مسألةٍ ليسَ لكَ فيها إمامٌ”.
وما يُفهمُ من قولِ بعضِ السَّلفِ من اطِّراحِ قولِهِ عندَ مخالفةِ النَّصِ فهذَا من تواضعِهم، وتلك عادتُهم حين يجدونَ نصًا شَريفًا صَحيحًا صَريحًا يخالفُ ما قالُوا به؛ ولذا جعلَ اللهُ تعالى لهم لسانَ صدقٍ في الآخِرينَ، وليست دعوة منهم رضي الله تعالى عنهم لنبذ التقليد كما يفهمه من قلَّ فهمُهُ لكلامِهم.
وإنَّه ما من عالمٍ -غَالبا- بزغَ في الأمَّةِ وكانَ رأسًا في الخيرِ إلا وقد سلكَ هذا المسلكَ، وتمذهبَ بمذهبٍ معتدٍ بهِ -ولو في بداية أمرِهِ- فكيف نأتِي في مثلِ هذا الزمانِ لنلغيَ ذلك النَّاموسَ وتلك العادةَ الجاريَةَ!!
ومن اللطيفِ أنَّ شَابًا أنكرَ عليَّ مسألةَ فقلت له: قالَ بها الإمامُ أحمدُ رحمه اللهُ تعالى.
فقالَ: التقليدُ ممنوعٌ في الشَّريعَةِ.
فقلت لَه: حتى ولو كنتُ من عامَّةِ النَّاسِ! قال: نعم.
قلت: فماذا يجبُ عليَّ؟
قال:سؤالُ أهلِ العلمِ . فقلت له: مثل الشيخ فلان -أحد المعاصرين-؟!
قالَ: نعم .
فقلت : فإذا أفتاني هل آخذُ بقولِهِ.قال: نعم .
قلت له: أليسَ هذا تقليداً له؛ لأن التقليد: هو أخذُ قولِ المجتهدِ بغيرِ حجَّةٍ.
فسكتَ وشَرِقَ بريقه.
فقلت له: عَجبًا تَمنعُني من تقليدِ الإمامِ المجتهدِ أحمدَ بنِ حنبل رضي الله تعالى عنه لأقلِّدَ شيخًا ليسَ في موازينِ أهلِ الاجتهادِ فبُهت!.
من الذي بَنى هذا الأصلَ في نفوسِ الدَّهماءِ وصِغارِ الطلبَةِ، وتسببَ في صرْفهم عن قراءةِ كتبِ السَّلف الصالحِ ومتقدِمِي الأمةِ؛ ليقْصُرهم على كُتيِّبِ له هُنَا وهنَاك، ويقرَأ عليهم :”إنا وجَدْنَا آباءَنَا علَى أُمَّةٍ..”، وهُو واردٌ في حقِّ المقلدينَ في أصولِ الدِّينِ التي لا يَجوزُ التقليدُ فيها، بينَما كلامُنَا في الفروعِ الظَّنِّيَّةِ !!
أو يشنِّفَ مسامِعَهم بقولهِ تعالى:”إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ..}[الأنعام/159]، ويدَّعِي أنَّ اختلافَهم في الفروعِ من التَّفَرقِ في الدِّينِ وهو يراهُ واقِعًا في مُحيطِهِ ولا يَراهُ بتلكَ العينِ السَّابِقِةِ!! ثمَّ في نقاشِهِ يخلِطُ بين التمذهبِ والعصبيَّةِ فيه، فيجعلُها دليلًا على إِبطالِ التمذهبِ وهي أمرٌ خارجٌ محتمِلٌ!..ثم هو يشهدُ ذلكَ التعصبَ ويعيشُهُ فيرمِي من خالفَهُ بالبدعةِ والمُخالفةِ!!
بحقٍ إنَّها فوضَى دينيَّة لمن حاربَ المَذهبيَّةَ، وأوصَى طلابَهُ بتبعيةِ مذهبِهِ حتى اتخذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهالًا أفتوهم بغيرِ علمٍ..
ومَا الفتاوى الشَّاذةُ التي تطِلُّ علينا بينَ حينٍ وآخرَ إلا حصادَ ذلك التَّوجُهِ السقيمِ، فبدلًا من أربعةِ مذاهبَ مُحررةٍ صارتْ عندنا مئاتُ المذاهبِ حتى جعلتِ النَّاسَ في شَتاتٍ وحرَّكت أَلسنةً حِدادًا للطعنِ في الشَّريعةِ، وطفَّلت صغارَ طلبةِ العلمِ حتى ظَنَّ طالبُ السنةِ الأولى في الدِراساتِ الشَّرعيةِ أنَّه أصبحَ أهلًا للفتْوى أو على بُعدِ خطواتٍ منها!.
وأخيرًا أقول:
لابدَّ من حسمِ الفوضى الدينيَّةِ بالعَودةِ لقانون المذهبيَّةِ، التي نَادى بها السلفُ الصَّالحُ رضي الله تعالى عنهم؛ أقول ذلكَ حمايةً لجنابِ الشَّريعةِ، لا إلغاءً للكفاءاتِ، فلا أعني بهذا الكلامِ غلقَ بابِ الاجتهاد في وجهِ أهلهِ، ففضلُ الله تعالى لا يُحدُّ، ومن تأهلَ لحيازَةِ الملكَةِ الفقهيَّةِ، وكان دَاريًا لضوابطِ الاجتهادِ متبعًا لقانونه فله ذلك ولا نحجِّرُ وَاسِعًا..

واللهُ تعالى من وراءِ القصدِ.
وصلى الله على سيدنا محمد
المشرف على موقع الإبهاج

 


6 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

    1. 1
      احمد العباسي

      حقيقة هي فوضى ولابد من تصدي العلماء الاجلاء امثالكم لها.

      (0) (1) الرد
    2. 2
      محمد أردم

      السلام عليكم يا شيخ، جزاك الله خيرا ، الملاحظات اللتي أوردتها موجزة مفيدة جدا لعل من المتمجهدين من يعتبر بها و يستفيد منها

      (0) (1) الرد
      1. 2.1
        عبدالله الشهراني

        عسى الله ﷻ أن ينفع بذلك

        (0) (0) الرد
    3. 3
      ابو محمد

      ‏وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته شبخنا الكريم .
      مقال أكثر من رائع وغاية في الأهمية جاء موافقاً للظروف .

      (0) (0) الرد
      1. 3.1
        عبدالله الشهراني

        نفع الله به وجزاك الله خيراً

        (0) (0) الرد
    4. 4
      ابو محمد

      ‏السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
      ‏جزاكم الله خير شيخنا الكريم . ‏مقال اكثر من رائع جاء في وقته تماما .

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *